فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال السمرقندي:

{استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} اللفظ لفظ الأمر ومعناه معنى الخبر، أي إن شئت استغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، يعني: للمنافقين.
{إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ}، ثم بَيَّنَ المعنى الذي لم يغفر لهم بسببه، فقال تعالى: {ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ}، يعني: في السر.
وقال قتادة ومجاهد: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأزِيدَنَّ عَلَى سَبْعِينَ» فاستغفر لهم، أكثر من سبعين مرة لعل الله يغفر لهم فأنزل الله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين} [المنافقون: 6] ثم قال تعالى: {والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين}، يعني: المنافقين الذين كفروا بالله ورسوله في السر، والله تعالى لا يهديهم ما داموا ثابتين على النفاق. اهـ.

.قال الثعلبي:

{استغفر لَهُمْ} يعني لهؤلاء المنافقين {أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} لفظه أمر ومعناه جزاء تقديره: إن أستغفرت لهم أو لم تستغفر لهم {استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} والسبعون عند العرب غاية تستقصا بالسبعة، والأعضاء، والسبعة تتمة عدد الخلق، كالسموات والأرض والبحار والأقاليم.
ورأيت في بعض التفاسير: إن تستغفر لهم سبعين مرّة بأزاء صلواتك على قبر حمزة لن يغفر الله لهم.
قال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّ الله قد رخّص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم».
فأنزل الله عزّ وجلّ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} [المنافقون: 6].
وذكر عروة بن الزبير أن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن أُبي حين قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضّوا من حوله، ثمّ قال: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [المنافقون: 8]. فأنزل الله تعالى: {استغفر}. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لأزيدن على السبعين» فأنزل الله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} [المنافقون: 6] فأبى الله أن يغفر لهم {ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين}. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}
وهذا على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة وإن كان على صيغة الأمر، ومعناه أنك لو طلبتها لهم طلب المأمور بها أو تركتها ترك المنهي عنها لكان سواء في أن الله تعالى لا يغفر لهم.
قوله: {إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد لأن العرب تبالغ بالسبع والسبعين لأن التعديل في نصف العقد وهو خمسة إذا زيد عليه واحد كان لأدنى المبالغة، وإذا زيد عليه اثنان كان لأقصى المبالغة، ولذلك قالوا للأسد سبُع أي قد ضوعفت قوته سبع مرات، وهذا ذكره علي بن عيسى.
وحكى مجاهد وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لُهُمْ أَكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» فأنزل الله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتُ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} فكف. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}
يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون لفظ أمر ومعناه الشرط، بمعنى إن استغفرت أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم، فيكون مثل قوله تعالى: {قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم} [التوبة: 53] وبمنزلة قول الشاعر: [الكثير]
أسيئي لنا أو أحسني لا ملومة ** لدينا ولا مقلية إن تقلت

وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره في معنى الآية، والمعنى الثاني الذي يحتمله اللفظ أن يكون تخييرًا، كأنه قال له: إن شئت فاستغفر وإن شئت لا تستغفر ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر {سبعين مرة} وهذا هو الصحيح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيينه ذلك.
وذلك أن عمر بن الخطاب سمعه بعد نزول هذه الآية يستغفر لهم فقال يا رسول الله، أتستغفر للمنافقين وقد أعلمك الله أنه لا يغفر لهم، فقال له «يا عمر إن الله قد خيرني فاخترت، ولو علمت أني إذا زدت على السبعين يغفر لهم لزدت»، ونحو هذا من مقاولة عمر في وقت إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على عبد الله بن أبي ابن سلول، وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقينًا عنده، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عز وجل، وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر.
وفي هذه الألفاظ التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفض إلزام دليل الخطاب، وذلك أن دليل الخطاب يقتضي أن الزيادة على السبعين يغفر معها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو علمت فجعل ذلك مما لا يعلمه، ومما ينبغي أن يتعلم ويطلب علمه من الله عز وجل، ففي هذا حجة عظيمة للقول برفض دليل الخطاب، وإذا ترتب كما قلنا التخيير في هذه الآية صح أن ذلك التخيير هو الذي نسخ بقوله تعالى في سورة المنافقون: {سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين} [المنافقون: 6] ولمالك رحمه الله مسائل تقتضي القول بدليل الخطاب، منها قوله: إن المدرك للتشهد وحده لا تلزمه أحكام الإمام لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» فاقتضى دليل الخطاب أن من لم يدرك ركعة فليس بمدرك، وله مسائل تقتضي رفض دليل الخطاب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي سائمة الغنم الزكاة» فدليل الخطاب أن لا زكاة في غير السائمة، ومالك يرى الزكاة في غير السائمة، ومنها أن الله عز وجل يقول في الصيد {من قتله منكم متعمدًا} [المائدة: 95] فقال مالك: حكم المخطئ والمتعمد سواء ودليل الخطاب يقتضي غير هذا، وأما تمثيله السبعين دون غيرها من الأعداد فلأنه عدد كثيرًا ما يجيء غاية وتحقيقًا في الكثرة، ألا ترى إلى القوم الذين اختارهم موسى وإلى أصحاب العقبة وقد قال بعض اللغويين إن التصريف الذي يكون من السين والباء والعين فهو شديد الأمر، من ذلك السبعة فإنها عدد مقنع هي في السماوات وفي الأرض وفي خلق الإنسان وفي رزقه وفي أعضائه التي بها يطيع الله وبها يعصيه، وبها ترتيب أبواب جهنم فيما ذكر بعض الناس، وهي عيناه وأذناه ولسانه وبطنه وفرجه ويداه ورجلاه، وفي سهام الميسر وفي الأقاليم وغير ذلك.
ومن ذلك السبع والعبوس والعنبس ونحو هذا من القول، وقوله: {ذلك} إشارة إلى امتناع الغفران، وقوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} إما من حيث هم فاسقون، وإما أنه لفظ عموم يراد به الخصوص فيمن يوافي على كفره. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {استغفرْ لهم أو لا تستغفرْ لهم}
سبب نزولها: أنه لما نزل وعيد اللامزين قالوا: يا رسول الله استغفر لنا، فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سوف أستغفر لهم أكثر من سبعين، لعل الله يغفر لهم» فنزل قوله: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم} [المنافقون: 6]، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
وظاهر قوله: {استغفر لهم} الأمر، وليس كذلك؛ إنما المعنى: إن استغفرت، وإن لم تستغفر، لا يُغفَر لهم، فهو كقوله: {أنفقوا طوعًا أو كرها} [التوبة: 53]، وقد سبق شرح هذا المعنى هناك، هذا قول المحققين.
وذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين، رجي لهم الغفران.
ثم نسخت بقوله: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم}.
فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لهم، وقد أُخبر بأنهم كفروا؟
فالجواب: أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إِسلامهم من غير أن يتحقق خروجهم عن الإسلام، ولا يجوز أن يقال: علم كفرهم ثم استغفر.
فإن قيل: ما معنى حصر العدد بسبعين؟
فالجواب: أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة، وفي العشرات من سبعين. اهـ.

.قال الخازن:

قوله سبحانه وتعالى: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}
قال المفسرون: لما نزلت الآيات المتقدمة في المنافقين وبان نفاقهم وظهر للمؤمنين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه ويقولون استغفر لنا فنزلت استغفر لهم أو لا تستغفر فلن يغفر الله لهم وإنما خص سبحانه وتعالى السبعين من العدد بالذكر لأن العرب كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى على عمه حمزة رضي الله تعالى عنه سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبعة وهو عدد شريف فإن السموات والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار سبع والنجوم السيارة سبع فلهذا خص الله تبارك وتعالى السبعين بالذكر للمبالغة في اليأس من طمع المغفرة لهم.
قال الضحاك ولما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد رخص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم» فأنزل الله سبحانه وتعالى سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم فلن يغفر الله لهم.
(ق) عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله يعني بن أبي بن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلىلله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليك فقال رسول الله صلىلله عليه وسلم: «إنما خيرني الله فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على السبعين» قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ولا تصلي على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون زاد في رواية فترك الصلاة عليهم.
وقوله سبحانه وتعالى: {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} يعني أن هذا الفعل من الله وهو ترك العفو عنهم وترك المغفرة لهم من أجل أنهم اختاروا الكفر على الإيمان بالله ورسوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني والله لا يوافق للإيمان به وبرسوله من اختار الكفر والخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله. اهـ.

.قال أبو حيان:

{استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}
سأل عبد الله بن عبد الله بن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلًا صالحًا أن يستغفر لأبيه في مرضه ففعل، فنزلت، فقال صلى الله عليه وسلم: «قد رخص لي فأزيد على السبعين» فنزلت سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم.
وقيل: لما نزل سخر الله منهم ولهم عذاب أليم، سألوا الرسول أن يستغفر لهم فنزلت.
وعلى هذا فالضمائر عائدة على الذين سبق ذكرهم، أو على جميع المنافقين قولان.
والخطاب بالأمر للرسول، والظاهر أنّ المراد بهذا الكلام التخيير، وهو الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال له عمر: كيف تستغفروا لعدو الله وقد نهاك الله عن الاستغفار لهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «ما نهاني ولكنه خيرني» فكأنه قال له عليه السلام: إن شئت فاستغفر، وإن شئت فلا تستغفر، ثم أعلمه أنه لا يغفر لهم وإن استغفر سبعين مرة.
وقيل: لفظه أمر ومعناه الشرط، بمعنى إنْ استغفرت أو لم تستغفر لن يغفر الله، فيكون مثل قوله: {قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم} وبمنزلة قول الشاعر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ** لدينا ولا مقلية إن تقلت

ومر الكلام في هذا في قوله: {قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا} وإلى هذا المعنى ذهب الطبري وغيره، وهو اختيار الزمخشري قال: وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل: لن يغفر الله لهم استغفرت أم لم تستغفر، وإن فيه معنى الشرط، وذكرنا النكتة في المجيء به على لفظ الأمر انتهى.
يعني في تفسير قوله تعالى: {قل أنفقوا} وكان قال هناك.
(فإن قلت): كيف أمرهم بالإنفاق ثم قال: لن يتقبل؟ (قلت): هو أمر في معنى الخبر كقوله: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدًّا} ومعناه: لن يتقبل منكم أنفقتم طوعًا أو كرهًا، ونحوه قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}، وقوله:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة

أي: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم، ولا نلومك أحسنت إلينا أو أسأت.